حماس … تعتدي أم يعتدى عليها ؟!
بدأت الأحداث تتسارع على الساحة الفلسطينية وخصوصا أن الحسم العسكري بات الخيار الفعلي والعملي والمشاهد على أرض الواقع ، وإقدام حماس على هذه الخطوة جاء في وقت متأخر جدا _ أما عن جدواه فهم أقدر على تقديره _ ، وهذا التأخير كانت له مبررات لدى قيادات الحركة ، رغبة منها في الحفاظ على وحدة الصف وتشكيل حكومة تتكون من جميع ألوان الطيف إذا صح التعبير . وسعيها إلى تفويت الفرصة على العدو الصهيوني . إلا أن هذه المسألة باتت منتهية وربما يصح أن نقول أنها تفككت وانقضت ، فلا وفاق ولا اتفاق ، والسلاح سيد الموقف الآن .
حماس خيار الشعب … فعلى ماذا يزايدون ؟!
لطالما شددت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على تعزيز _ أو بمعنى أصح فرض _ مبدأ الديمقراطية على دول العالم العربي والإسلامي ، إلا أن ما ظهر أن هذه الديمقراطية منقوصة وساقطة مادامت النتائج في صالح التيار الإسلامي !!
فلا معنى للديمقراطية عند الدول الغربية إذا كانت النتائج في صالح الإسلاميين!!
استطاعت حركة حماس أن تنال ثقة الشعب الفلسطيني وحققت أغلبية في البرلمان قرابة الـ 60% من مقاعد المجلس التشريعي(1) إلا أنه على الرغم من أن هذه النتائج لم تعجب الدول الغربية على الرغم من أن هذا الخيار هو خيار الشعب وفقا لما تحمله حماس من أفكار ومبادئ ! فعلى ماذا يزايدون ؟!!
فمن يصادم حماس فهو يصادم غالبية الشعب الفلسطيني ، أليست هذه الديمقراطية ؟! خيار الشعب !!
الأزمة الأمنية …. هي محور الأزمات
من أهم الإشكالات التي لم تحل بين حركة حماس والحكومة الفلسطينية من جهة وحركة فتح ومؤسسة الرئاسة من جهة أخرى الصلاحيات الأمنية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وفقا لما تم الاتفاق علية في مكة والقاهرة، وبقيت الحكومة الفلسطينية تشكو من سلب الصلاحيات الأمنية منها، مما اضطر وزير الداخلية هاني القواسمي إلى الاستقالة بعد يأسه من منحه الصلاحيات بالرغم من الوعود الكثيرة التي تلقاها من الرئيس أبومازن، ولم تطبق الخطة الأمنية التي وافقت عليها الحكومة والرئاسة معا.(2) والمسألة لم تقتصر على هاني القواسمي ، فأزمة القواسمي جاءت بعد اتفاق مكة إلا أن الإشكالية والأزمة الأولى كانت مع وزير الداخلية الأسبق " سعيد صيام " والذي عانى من تحجيم صلاحياته بل وصل الأمر إلى تجميده قدر الإمكان و وجد نفسه معزولا وعاجزا عن الحركة، فقام بتشكيل القوة التنفيذية التي ضمت عناصر من عدة فصائل وحركة حماس في المقدمة منها. وكان من الطبيعي أن يتم التحرش بتلك القوة والاشتباك معها _ من قِبل القوات الأمنية التي تسيطر عليها فتح _ . الأمر الذي رفع من درجة التوتر في القطاع. ومع هذا التوتر جاء اتفاق مكة ليعيد تشكيل الحكومة ، ويدخل القواسمي _ كما ذكرنا _ في الحكاية _ وللعلم القواسمي هو المرشح العاشر من قِبل حماس ، فقد تم ترشيح تسعة قبل القواسمي رفضتهم فتح كلهم _ وعليه قدم القواسمي الإستقالة ، وأجد أنه من المناسب أن أنقل ما ذكره الاستاذ فهمي هويدي حول أزمة القواسمي التي أرى أنها كانت الحلقة الأخيرة لمسلسل العنف ، يقول الاستاذ فهمي هويدي(3) :
أتيح لي أن أطلع على تقرير فلسطيني رسمي داخلي بتاريخ 14/5 الحالي، يشرح خلفيات الانفجار الأخير في الموقف، الذي كانت أزمة وزير الداخلية من العوامل الممهدة له، ويذكر التقرير ما يلي:
* أن وزير الداخلية هاني القواسمي لم يجد مفرا من الاستقالة لأسباب ثلاثة: حصار أبو شباك له ومنعه من الاتصال بالأجهزة الأمنيةـ عدم تمتعه بصلاحيات أدائه لوظيفته و احتجاجه على حالة التعبئة المسلحة التي تقوم بها عناصر فتح، وإدخال أسلحة ومعدات دون علمه.
* رفض رئيس الوزراء الاستقالة، وحرص على أن يعالج الأمر مع أبومازن، الذي كان في رحلات بالخارج أمضى فيها 22 يوما. وفور عودته التقاه رئيس الوزراء ووزير الداخلية مع آخرين، وكان رد أبومازن أنه يريد إنجاح مهمة القواسمي. ثم طلب عقد اجتماع منفرد معه استمع فيه إلى وجهة نظره بالتفصيل وأبدى استعدادا لمعالجة الأمر.
* في 9/5 عقد اجتماع لمناقشة الوضع الأمني المتدهور، حضره أبومازن وإسماعيل هنية وبعض المسؤولين، وأثناءه وافق الجميع علي اقتراح رئيس الوزراء تشكيل قوة أمنية مشتركة بين حرس الرئاسة والقوة التنفيذية التابعة للداخلية، تمثلان فتح وحماس، لتنفيذ الخطة الأمنية وتكون تحت أمر وزير الداخلية.
* خرج إسماعيل هنية من الاجتماع ليبلغ وزير الداخلية بالاتفاق ويطلب منه العدول عن الاستقالة. ولكنه فوجئ بانتشار الشرطة وقوات الأمن الوطني في شوارع غزة، وتبين أن ذلك تم بتعليمات من أبوشباك، ودون علم وزير الداخلية أو رئيس الوزراء أو رئيس السلطة وكان واضحا أن المحاولة تسعى لقطع الطريق على تفاهمات الرئيسين.
* في مساء اليوم ذاته عقد اجتماع بمقر الرئاسة حضره أبومازن وإسماعيل هنية والوزراء المعنيون، اتفق فيه على دعم الرئيسين لوزير الداخلية لتنفيذ الخطة الأمنية، وأيد أبومازن تشكيل غرفة العمليات المشتركة. كما وعد بإحداث تغييرات في قيادة الشرطة خلال شهر ( من هؤلاء مدير الشرطة العميد علاء حسني وذلك تمهيدا لإبعاد اللواء رشيد أبوشباك).
* يوم الجمعة 11/5 عقد رئيس الوزراء اجتماعا مطولا مع وزير الداخلية لإثنائه عن الاستقالة بعد إبلاغه بما تم الاتفاق عليه مع أبومازن. ودعاه لكي يعقد اجتماعا بين قيادة القوة التنفيذية وقائد قوة الرئاسة العميد منار شحاده، لتشكيل القوة المشتركة. وبعد ذلك اتصل إسماعيل هنية مع أبومازن وأبلغه بما تم، وطلب منه الإيعاز للعميد منار لحضور الاجتماع المقرر مع الوزير لترتيب مسألة القوة المشتركة. وقد وافق أبومازن على المبدأ والموعد.
* لم يحضر العميد منار اجتماع الوزير، وتبين أن أبوشباك منعه من ذلك، مصرا على أن يكون اتصال الوزير مع الضباط من خلاله، ومعلنا عن رفضه لفكرة القوة المشتركة. وعلم أن الرجل عقد اجتماعا مع مجموعة من الضباط، عبر فيها عن مواقفه تلك. كما عبر عن غضبه ورفضه للموافقات التي أصدرها أبومازن في تفاهماته مع رئيس الوزراء، ودعا أبوشباك ضباطه إلى تصعيد المواجهة ضد الحكومة، الأمر الذي ترتب عليه انتشار القوات من جديد، واعتلاء بعض عناصرها أسطح البنايات استعدادا للخطوة التالية.
* بعد هذه الخطوة انفلت عيار الموقف، فاتسع نطاق الاشتباكات وتعددت عمليات الخطف والقصف والقتل على الجانبين، فأجرى رئيس الوزراء اتصالات متعددة مع أبومازن، ومختلف الاطراف الراعية لاتفاق مكة، وطلب منهم جمع قيادتي فتح وحماس لاحتواء الموقف، والعمل على سحب القوى العسكرية من شوارع غزة. ولكن الانفجار تواصل في اليوم التالي (19/5) الذي كتب فيه التقرير. " انتهى الإقتباس "
يتضح من التقرير أن هناك عناصر تأزيم داخل فتح تمارس هذه الأعمال وتسعى إلى زعزعة الأمن وتسعى إلى خلق الفوضى والفلتان الأمني ، بل إن هناك العديد من الإشارات تفيد إلى هذه العناصر هي نفسها منقلبة على أبو مازن ، والبعض يقول أن أبو مازن نفسه ضعيف ولم يعد مسيطرا على حركة فتح .
غزة بيد حماس والضفة بيد فتح …. فلسطين بيد من ؟؟
لحماس حضور قوي في غزة ولها وزنها من جهة العدد والعتاد ، وشعبية حماس في غزة لا تضاهيها شعبية ، فبالإمكان أن نقول أن حماس لها سيطرة لا ينازعها فيها أحد ، والعكس صحيح فيما يتعلق بقوة فتح في الضفة .
إن ما حدث بغزة أمر طبيعي نتيجة لتسارع الأحداث والغوغائية التي تسير عليها فتح _ أو بالأحرى عناصر من فتح _ فعملية تصفية عناصر حماس من قبل فتح وأصبح القتل على اللحية شعار مقاتلي فتح ، ففتح أصبحت تمارس عمليات اغتيال واختطاف وتصفية لعلماء ورجال حماس ، فهل نلوم حماس إذا ما قررت أن تدافع عن نفسها ؟!!
فأصبح لزاما على حركة حماس تنقية غزة من التيار الفاسد في فتح على حد تعبير القيادي في حركة فتح خالد أبو هلال ، و أن ما حدث في قطاع غزة خطوة في الاتجاه الصحيح، ولصالح فتح وليس العكس (4).
ونحن نتساءل ما الذي يدفع قيادي _ خالد أبو هلال _ في حركة فتح إلى التصريح :
(( أعتقد أن هذا الوقت هو ميلاد جديد لحركة فتح بعد أن اختفت كل الأصوات والقيادات الفاسدة والمنحرفة لتفسح المجال الآن لصوت الأحرار والشرفاء من قياداتها وعناصرها في غزة. )) (5)
بدأت الصورة تتضح بأن حركة فتح فيها انشقاق واضح ما بين الوطني والخائن العميل ، وإن حركة فتح الوطنية تريد التخلص من عناصر الفساد والتأزيم في الحركة ، وعلى ما يبدو أنه لا يقدر على هذه المهمة أحد سوى حماس لما تملكه من انضباط وضوابط وقدرة عسكرية تمكنها من بسط سيطرتها ونفوذها على القطاع.
والمرء يدرك أن العملاء مصيرهم القتل إذا لم يتوبوا وينوبوا إلا أن يجب أن نقرر أن هناك ضوابط تحكمنا وأخلاق تضبطنا ولعل ما حدث للعميل " سميح المدهون " شاهد على هذا ، لا شك لدي أن سميح مدهون يستحق القتل لما فعله من جرائم ضد الشعب الفلسطيني إلا أن عملية القتل التي حدثت لم تكن سليمة من جهتين :
الأولى : طريقة التنفيذ ، فالأسلوب الذي تم كان غريبا على حركة حماس ، وهي المعروفة بالإنضباط والإلتزام ، فالطريقة التي تمت بها عملية تصفية العميل كانت فوضوية إلى أبعد حد ، وكون العميل مدهون قد مارس أبشع الجرائم إلا أننا نملك رصيدا شرعيا وأخلاقيا يمنعنا عن السقوط في مثل هذه الأمور . والمطلوب عن حماس وهي تقرر عمالة مدهون أن تعلن أن هناك ممارسات تمت نظرا للحالة التي كانت تسود القطاع _ حرب شوارع _ .
الثانية : ما بعد التنفيذ ، بعد القيام بعملية تصفية العميل كانت الفوضى أشد وأكبر ، فقد كانت الجثة تركل وتداس بطريقة مخالفة للشرع ، وعلى الرغم من أني شاهدت بعض الأشخاص يحاولون أن يبعدوا الناس إلا أن هذا غير مبرر بأي حال ، فحماس هي الطرف الأقوى في غزة والضبط والربط ملزم لهم . ونتمنى أن يكون التصريح الذي أعلنه القيادي العسكري في غزة سريعا وفعالا (6). فصحيح أن وقت النزاع تزيغ الأبصار وتنتشر الفوضى إلا أن الإنضباط مطلوب والإلتزام الشرعي واجب ودخول العشائر في الصراع يوذن بالفوضى والإنفلات فواجب على حماس أن تضبط هؤلاء وتسعى سعيا جادا إلى ضبط الأمور وعدم تمرير مثل الحالات مستقبلا . العميل يقتل ، فأحسنوا القتلة ولا تمثلوا بأحد .
ماذا يحمل المستقبل لحماس ؟؟
تصريحات رئيس المكتب السياسي لحماس الاستاذ خالد مشعل تحمل في طياتها رغبة جامحة في تهدئة الأمور وضبطها ، والمهمة ستكون صعبة أمام حماس وخصوصا أن إعلان أبو مازن حكومة طوارئ هي أصلا مخالفة قانونية للدستور الفلسطيني الأساسي (7) كما صرح المتحدث باسم حماس الاستاذ إسماعيل رضوان .
وتصريحات مشعل كانت واضحة وتعكس نوايا الحركة (8) :
* (( خطوة اضطرارية للتعامل مع حالة أرادت أن تفرض نفسها على الجميع )) / مشعل متحدثا عن سيطرة حماس على غزة.
* (( إن فكرة تجزئة الوطن غير مقبولة على الإطلاق؛ فغزة ليست لحماس بينما الضفة لفتح، غزة وحماس جزء من الوطن وهي للشعب الفلسطيني كله لا احتكار لا لفتح ولا لحماس.))
* (( لا توجد لحماس نوايا للانقلاب على النظام السياسي الفلسطيني، نحن أول مرة نطرق فيها باب السلطة لندخلها، دخلنا إليها من أوسع بوابة وهي الانتخابات الديمقراطية، كما أن حماس جزء من الشرعية فكيف ستنقلب على نفسها ))
* (( لا تغيير على وضع غزة من الناحية القانونية والسياسية، حماس لا تحكم غزة، وما قمنا به معالجة أمنية اضطرارية وليس تغييراً في المشهد السياسي والقانون ))
* (( إن المطلوب اليوم، وقد حللنا عقبة الملف الأمني، ليس بترتيبه ولكن بإزالة العقبات التي كانت تقف عثرة لمعالجة الأزمة الأمنية بصورة سليمة، هو معالجة القضية القائمة الآن علاجاً جذرياً حقيقياً، وليس بأن يدير كل ظهره للآخر ))
* (( الوضع لا يتجزأ، وتشكيل حكومة مركزية تدير غزة والضفة، وهذه حكومة للجميع والوطن للجميع، وعلى أساس أنه ليس هناك أزمة حقيقية بين تنظيمي فتح وحماس، وعلى قاعدة أن نتوافق على الحل ))
* (( هناك أطراف لم تسمح حتى لرئيس السلطة محمود عباس بحل المشكلة ))
* (( كيفية إدارة الشأن الداخلي، ما هي أداتنا السياسية، لا غنى لنا عن حكومة وحدة وطنية، بالتراضي مع جميع القوى، نحن محتاجون إلى حكومة وحدة وطنية نتوافق عليها بكل تفاصيلها ))
هذا تجسيد للحالة الفلسطينية وتمثيل للوضع الراهن ، ونقدر أن نقول أن هذه التصريحات توضح ما جرى وما يجري على الساحة الفلسطينية وفي نفس الوقت تعكس الرغبات والنوايا لدى حركة حماس .
المهمة ستكون كما قلنا صعبة والحركة بحاجة إلى أن تثبت أنها مازالت قادرة على إدارة الحكومة بالتعاون والتنسيق مع فتح الوطنية لا فتح العميلة . فالإعتداء على حماس بات واضحا و واجب على الحركة إيقافه والتحرك من جديد.
========
(1) دلالات فوز حماس والتحدي القادم / دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للإعلام .
(2) الحسم العسكري لحماس في غزة ..ماذا بعد ؟ / مقال لمحمد الصواف / نشره موقع الأحرار.
(3) العار الذي شهدته غزة / مقال لفهمي هويدي / نشر في جريدة الوطن الكويتية / بتصرف.
(4) الأخبار / غزة - المركز الفلسطيني للإعلام.
(5) صحيفة فلسطين اليومية / نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام.
(6) تصريح صحفي لقيادي عسكري من حماس / نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام.
(7) الأخبار / غزة – المركز الفلسطيني للإعلام.
(8) مؤتمر صحفي عقده في العاصمة السورية دمشق مساء الجمعة (15/6) / نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام . / يتصرف